مسجد قرطبة - كنيسة قرطبة الاسقفيّة ساحة للإلتقاء

يمكن ان يكون احسن دليل للدور الذي يمكن و يجب ان تلعبه الروحانية للتفاهم بين الشعوب

و الحضارات.

 

 الكاتب: ويب اسلام - مصدر: ويب اسلام

 

 

 

مسجد- كاتدرائية قرطبة هو بدون شك مكان محضوض بالتاريخ الروحاني والحضاري. مكان للعبادة الذي حسب ما ورد عن الرّازي بدأ كمعبد اسسه نبي الله سليمان عليه السلام لعبادة الله سبحانه وتعالى، المعبد الذي بعد ممرّ القرون تحوّل الى كنيسة بعد انتشار رسالة عيسى عليه السلام في شبه الجزيرة الإيبيرية وانتهى كمسجد بعد وحي القرآن لمحمّد صلى الله عليه وسلّم الذي وصل الى اسبانيا والى المسيحيين الموحدين الذين اعتنقوا الإسلام. منذ عهد الإزدهار ونهاية الأمويين القرطبيين إستمرّ هذا المكان الفريد منبعا للعلم والرّوحانية.

جامع قرطبة الكبير كان مدرسة علّموا فيها علماء كل المدارس: الميموني اليهودي والبابا سيلبيستري وابن رشد وعدد كثير من المتصوّفين وفقهاء ورجال ونساء من الذين عبدوا الله الواحد الاحد في هذا المكان المبارك.

بعد سقوط الاندلس وإنهزام المسلمين الاسبان أخلي المكان الرئيسي لمسجد قرطبة وأقيم في مكانه كاتدرائية كاثوليكية رومية في عهد الملك الامبرطور كارلوس الاول.

في اكثر من مناسبة قيل انّ بناء الكاتدرائية في مركز عمارة المسجد رغم انه انتهاكا معماريا إلّا انّه حافظ على اكثرية العمارة الاصلية، وهذا صحيح، لم يدمّروا هذا العمل الفنّي العظيم ولا غابة الاعمدة ولا المنبر.

في زمننا اليوم مدينة قرطبة وسكانها وكثيرا من المسيرين السياسيين من مختلف التيارات وأناس من مختلف المعتقدات يشعرون بأهمية القيمة الثقافية والتراثية لهذا النصب التذكاري وعبّروا عن رغبتهم في تقديم للعالم هذه القطعة المعمارية كرمز للعالمية كما تطالب المدينة اليوم كرمز للهوية الإجابية وكرمز للحرّية العقائدية والتعدّدية وكمكان مفتوح لكلّ انواع الفكر والعبادات اي مكان للّقاء والتعايش.

توجد وثائق كثيرة تدلّ على خصوصية هذا المكان الفريد وتعدديته العقائدية وعالميته حيث تلتقي تقاليد ساحة واسعة من الثقافات والديانات. والدليل على هذا إعتباره نصب تذكاري ينتمي الى التراث البشري. وبما انّ هذا التراث له قيمة كبيرة لافتة للنّظر ما يجعل الرهان المدني على المدينة كعاصمة ثقفية لسنة 2016 يضمّ هذا التراث كمسألة مركزية.

توجد قناعة عند فئة واسعة من المجتمع بأنّ زيادة التراث الثقافي لا تبنى فقط على إعطاء قيمة لأثار يحتوي على رموز مادّية لتاريخنا بل يجب تقييم في نفس الوقت السلوك التي جعلت من الممكن تلك العبارات الحضارية والثقافية.

استعادة الطابع العالمي لمسجد قرطبة الذي اصبح كاتيدرائية سيتضمّن من الضروري حوارا ما بين مختلف الديانات. هذا الحوار يجب ان يتجاوز المواقف الاصولية والتركيز على المسألة الاساسية وهي الإلتقاء ما بين الثقافات والتركيز بالخصوص على المقاصد لكلّ تجربة دينية وهي الإلتزام بالمسؤولية الرّوحانية التي تحتوي على الإعتراف بالآخر وحق الإيمان بطريقة معيّنة وفي نفس الوقت الإعتراف بحق الآخر بأن يفعل نفس الشيئ نفسه.

فتح مكان للعبادة متعدّد الاديان والذي في هذه الحالة عبادة الله الواحد الاحد بكل اشكالها سيكون تعبيرا واضحا للنموذج الذي ينبض من وراء الأصول التي عادة ما تظهر كأنها متناقضة وفي الواقع ليست كذلك إذ نظرنا الى أهدافها التي تقصد تحسين المكانة البشرية والإرتفاع بها الى عالم الرّقي. فتح هذا المكان للعبادة سيكون دليلا على ان الرّوحانية ما زالت حيّة وأن مختلف الاديان لا تزال تلعب دورا مركزيا في هذا الزّمان ذو التغيرات العميقة حيث يبدو أن كل النظريات حول العالم تغرق وكذلك كلّ النماذج التاريخية للإعتقاد والإلحاد وكلّ النماذج البشرية والإجتماعية.

تأتي مفروضة بفعل انّنا نعيش في عالم ذاهب الى العولمة لا محال بطريقة سريعة ومتشدّدة وأنّنا نحن البشرية الذين نسكنوا هذا العالم نرى انفسنا بحاجة الى معنى وإتتجاه ومعايير وقيّم وحياة روحانية والى أخلاق. في هذا العالم المئمنون الذين منّ الله علينا بالإمان يجب علينا ان نكون نموذجا عقلانيا بالزّهد والتواضع امام هذه القوّة العظيمة التي ارادت لنا هذا الإلتقاء اليوم.

لا توجد بيننا نحن المسلمون الاسبان اليوم اي رغبة في المطالبة بزمن ماضي ولا تدفعنا نظرة عشق الى ماضي أمويّ في مدينتنا، لا، بل تدفعنا قناعتنا بأن فتح ساحة للإلتقاء ما بين الديانات في هذا المكان وفي هذا الزمان سيكون كفتح باب للأمل لكلّ البشرية.

يجب علينا ايضا ان نشير الى اسفنا للوضع الحالي لأنّنا كمواطنين مسلمين قرطبيين نشعر بحزن كبير حينما نرى حرّاس الامن يمنعون السيّاح المسلمون من الصلاة لأنّنا نقدّر المحراب ولا يمكننا ان نتجاهل شعورنا بأن هذا المكان مكان لعبادة الله الواحد الاحد.

هذا الفعل يدخل في تناقض مع كثير من البيانات العموميو بالإعتراف بالإسلام كدين منزّل وبالمسلمين كمؤمنين. الواقع الذي يعبّر عنه اليوم في هذا المكان يتناقض مع هذه القدّمات. لأنّه لم يطالب احد في ايّ من الاحوال بأي شيئ سوى إمكانية عبادة الله الواحد الاحد في هذا المكان. لا نطالب لا بإحتقار ولا بسيطرة ولا بملكية بل فقط بحق أن لا نؤذى لأنّنا نعبد الله.

هذا النصّ يضمّ اساس العرض الذي اقام به منصور إسكوديرو خلال اللّقاء الإسلامي المسيحي الذي نظّم يوم 13 مارس 2004 في مقرّ المجلس البابوي للحوار ما بين الديانات في الفاتكان.